الأخبار العاجلة
الرئيسية / افتتاحية /

الزكاة والجزية كمصدران مهمان للدخل في الدولة الإسلامية زمن خلافة الفاروق رضي الله عنه؛ الشروط والضوابط

الزكاة والجزية كمصدران مهمان للدخل في الدولة الإسلامية زمن خلافة الفاروق رضي الله عنه؛ الشروط والضوابط

الزكاة والجزية كمصدران مهمان للدخل في الدولة الإسلامية زمن خلافة الفاروق رضي الله عنه؛ الشروط والضوابط

بقلم: د. علي محمد الصلابي

الحلقة الخامسة والأربعون

نظر المسلمون في العصر الرَّاشدي إِلى المال بكلِّ أشكاله، وأنواعه بأنَّه مال الله، وبأنَّ الإِنسان مستخلفٌ فيه، يتصرَّف فيه بالشُّروط الَّتي وضعها المولى عزَّ وجلَّ، والقران الكريم يؤكِّد هذه الحقيقة في كلِّ أمرٍ يتعلَّق بالمال، وإِنفاقه، فيقول: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ}، وقوله تعالى يتحدَّث عن البرِّ، وهو جماع الخير: وإِيتاء المال اعترافٌ من المسلم {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} ابتداءً ـ بأنَّ المال الَّذي في يده هو رزق الله له: لأنَّه خلقه هو، ومن هذا الاعتراف بنعمة الرِّزق انبثق البرُّ بعباد الله وعلى هذا الأساس الإِيمانيِّ نظر الفاروق إِلى مال الدَّولة الَّتي توسَّعت مواردها في عصره، حيث فتحت الدَّولة بلداناً واسعةً، وخضعت لحكمها شعوبٌ كثيرةٌ، فنظَّم علاقة الدَّولة مع هذه الشُّعوب، فمنهم من دخل في حكم الدَّولة صلحاً، ومنهم من دخل في حكمها كرهاً، وتبعاً للفتح الت إِليها أراضٍ غلبت عليها عنوةً (بقوَّة السلاح)، وأراضٍ صالح أصحابها، وأراضٍ جلا عنها مالكوها، أو كانت ملكاً لحكَّام البلاد السَّابقين، ورجالهم، ومن شعوب هذه البلاد كتابيُّون (أهل كتاب، كاليهود، والنَّصارى) نظَّم الفاروق طريق التعامل معهم وفق شرع الله المحكم.
وقد قام ـ رضي الله عنه ـ بتطوير النِّظام المالي في دولته سواءٌ في الموارد، أو الإِنفاقات، أو ترتيب حقوق النَّاس من خلال نظام الدَّواوين، وقد أخذت موارد الدَّولة تزداد في عصر عمر ـ رضي الله عنه ـ وشرع في تطويرها، ورتَّب لها عمَّالاً للإِشراف عليها، فكانت أهمَّ مصادر الثَّروة في عهده: الزَّكاة، والغنائم، والفيء، والجزية، والخراج، وعشور التُّجار. فعمل الفاروق على تطوير هذه المصادر، واجتهد في القضايا وفق مقاصد الشَّريعة الَّتي وُضعت لمصالح العباد، فقد أخذت الدَّولة تستجدُّ فيها ظروفٌ لم تكن موجودةً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان عمر ـ رضي الله عنه ـ منفِّذاً للكتاب والسُّنَّة تنفيذاً عبقريّاً، لا يستأثر بالأمر دون المسلمين، ولا يستبدُّ بالرَّأي في شأنٍ من الشؤون، فإِذا نزل به أمر؛ جمع المسلمين يستشيرهم، ويعمل بآرائهم[.
1 ـ الزكاة:
هي الرُّكن الاجتماعيُّ البارز في أركان الإِسلام، وأوَّل تشريعٍ سماوي إِسلاميٍّ فُرض في أموال أغنياء المسلمين، لتؤخذ منهم، وتُردَّ إلى الفقراء، بحسب أنصبتها المعروفة في: الزُّروع، والثِّمار، والذَّهب، والفضَّة، وعروض التِّجارة، والماشية، ليكون هناك نوعٌ من التَّضامن، والتَّكافل الاجتماعيِّ، والمحبَّة، والألفة بين الأغنياء، والفقراء، فالزَّكاة تكليفٌ يتَّصل بالمال، والمال ـ كما يقولون ـ عصب الحياة، فمن النَّاس سعيدٌ بالمال، ومنهم شقيٌّ به، وهذه سنَّة الله في خلقه {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً *} [الأحزاب: 62].
ونظراً لما للمال من أثرٍ في حياة النَّاس؛ فقد عُنِي الإِسلام بأمره أشدَّ العناية، واهتمَّ بالزَّكاة غاية الاهتمام، ووضع لها نظاماً دقيقاً، حكيماً، رحيماً، يؤلِّف بين القلوب. ولذلك سار الفاروق على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكرٍ، فقام بتنظيم مؤسَّسة الزَّكاة، وتطويرها، فأرسل المصدِّقين لجمع الزَّكاة في أرجاء الدَّولة الإِسلاميَّة بعد أن أسلم الكثير من سكَّان البلاد المفتوحة، وكان العدل في جباية الأموال صفة الخلافة الرَّاشدة دون الإِخلال بحقوق بيت المال.
وقد أنكر الفاروق على عاملٍ من عمَّال الزَّكاة أخذه لشاةٍ كثيرة اللَّبن ذات ضرعٍ عظيمٍ قائلاً: ما أعطى هذه أهلُها وهم طائعون، لا تفتنوا النَّاس! وقد جاء ناسٌ من أهل الشَّام إِلى عمر، فقالوا: إِنَّا قد أصبنا أموالاً، وخيلاً، ورقيقاً نحبُّ أن يكون لنا فيها زكاةٌ، وطهورٌ. قال عمر: ما فعله صاحباي قبلي، فأفعله، واستشار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم عليٌّ، فقال عليٌّ: هو حسنٌ، إِن لم يكن جزيةً راتبةً يؤخذون بها من بعدك.
وقد ذكر الدُّكتور أكرم ضياء العمري: أنَّ الصَّحابة اقترحوا على عمر فرض الزَّكاة على الرَّقيق، والخيل بعد ما توسعت ملكية الرَّقيق، والخيل في أيدي المسلمين، فعدَّ عمر الرَّقيق، والخيل من أموال التُّجار، وفرض على الرَّقيق الصِّبيان والكبار ديناراً (عشرة دراهم) وعلى الخيل العربيَّة عشرة دراهم، وعلى البراذين (الخيل غير العربيَّة) خمسة دراهم، ويفهم: أنَّه لم يفرض الزَّكاة في رقيق الخدمة، والخيل المعدَّة للجهاد؛ لأنَّها ليست من عروض التِّجارة، بل إِنَّه عوَّض من يدفع زكاتهما كلَّ شهرين جربين (حوالي 209 كيلوجرامات من القمح) وهو أكثر قيمةً من الزَّكاة، وذلك لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ليس على المسلم في فرسه، ولا في عبده صدقةٌ ».
وقد أخذ من الرِّكاز (المال المدفون) ـ إِذا عثر عليه ـ الخمسُ، وحرص على تداول الأموال، وتشغيلها لئلا تذهب بها الزَّكاة مع تعاقب الأعوام، فكان عنده مالٌ ليتيمٍ، فأعطاه للحكم بن العاص الثَّقفيِّ ليتَّجر به؛ إِذ لم يجد عمر وقتاً للتِّجارة؛ لانشغاله بأمور الخلافة، وعندما صار الرِّبح وفيراً من عشرة الاف درهم إِلى مئة ألف شكَّ عمر في طريقة الكسب، ولمَّا علم: أنَّ التَّاجر استغلَّ صلة اليتيم بعمر؛ رفض جميع الرِّبح، واستردَّ رأس المال حيث اعتبر الرِّبح خبيثاً، فهو يعمل بمبدأ فرضه على ولاته، وهو رفض استغلال مواقع المسؤوليَّة في الدَّولة، ومن هنا قاسم الولاة ثروتهم؛ إِذا نمت بالتَّجارة. وسيأتي بيان ذلك عند الحديث عن الولاة بإِذن الله تعالى.
وقد أخذ عمر في زكاة الزُّروع العشر فيما سقته الأمطار، والأنهار، ونصف العشر فيما سقي بالالة، وهو الموافق للسُّنَّة، وكان يوصي بالرِّفق بأصحاب البساتين عند تقدير الحاصل من الثَّمر. وأخذ زكاةً عشريَّةً من العسل؛ إِذا حمت الدَّولة وادي النَّحل لمستثمره.وقد كثرت الحنطة في خلافته، فسمح بإِخراج زكاة الفطر من الحنطة بنصف وزن ما كانوا يؤدُّونه قبل خلافته من الشَّعير، أو التَّمر، أو الزَّبيب.
وهذا فيه تيسيرٌ على النَّاس، وقبولٌ للمال الأنفس في الزَّكاة؛ وإِن تفاوت الجنس، وأمَّا بخصوص مقادير أموال الزَّكاة الَّتي كانت تُجبى كلَّ عام فأمرٌ غير معروف، والإِشارات الَّتي تذكر بعض الأرقام إِشاراتٌ جزئيَّةٌ، وغير دقيقةٍ، ولا تنفع في إِعطاء تقديرٍ كلِّيٍّ. وقد قيل: إِنَّ عمر بن الخطَّاب حمى أرض الرَّبَذَة لِنَعَمِ الصَّدَقةِ، وكان يحمل عليها في سبيل الله، وكان مقدار ما يحمل عليه كلَّ عامٍ في سبيل الله أربعين ألفاً من الظَّهر، وأمَّا الموظَّفون الَّذين أشرفوا على هذه المؤسَّسة، فقد ذكرت المصادر أسماء عددٍ منهم في خلافة عمر ـ رضي الله عنه ـ وهم: أنس بن مالكٍ، وسعيد بن أبي الذُّباب على السَّراة، وحارث بن مضرب العبديُّ، وعبد الله بن السَّاعديِّ، وسهل بن أبي حثمة، ومسلمة بن مخلد الأنصاريُّ، ومعاذ بن جبلٍ على بني كلاب، وسعد الأعرج على اليمن، وسفيان بن عبد الله الثَّقفيُّ كان والياً على الطَّائف، فكان يجبي زكاتها.
2 ـ الجزية:
هي الضَّريبة الَّتي تفرض على رؤوس من دخل ذمَّة المسلمين من أهل الكتاب. وقيل: هي الخراج المحمول على رؤوس الكفَّار إِذلالاً لهم (وصغاراً) لقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ *} [التوبة: 29].
وتؤخذ الجزية من أهل الكتاب: وهم اليهود، والنَّصارى؛ وهو إِجماعٌ لا خلاف فيه، ومن لهم شبهة كتاب: وهم المجوس، وقد حار عمر ـ رضي الله عنه ـ في أمرهم في أوَّل الأمر، أيأخذ منهم الجزية ؟ أو لا يأخذها ؟ حتَّى قطع عبد الرحمن بن عوفٍ حيرته حين حدَّثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، فقد روى ابن أبي شيبة، وغيره: أنَّ عمر كان بين القبر، والمنبر، فقال: ما أدري ما أصنع بالمجوس، وليسوا بأهل كتاب ! فقال عبد الرَّحمن بن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « سنُّوا بهم سنَّة أهل الكتاب ». وفي حديثٍ اخر: أنَّ عمر لم يرد أن يأخذ الجزية من المجوس؛ حتَّى شهد عبد الرَّحمن بن عوفٍ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر.
وقد علل العلماء أخذها من المجوس بأنَّهم كانوا في الأصل أهل كتاب، وإِنَّما طرأت عليهم عبادة النَّار بعد ذلك، وعندئذٍ أخذها من أهل السَّواد وأخذها من مجوس فارس، وكتب لجزء بن معاوية: انظر مجوس مَنْ قِبَلَكَ، فخذ منهم الجزية، فإِنَّ عبد الرحمن بن عوف أخبرني: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر.
وهي تجب على الرِّجال الأحرار العقلاء، ولا تجب على امرأةٍ، ولا صبيٍّ، ولا مجنونٍ، ولا عبدٍ؛ لأنَّهم أتباعٌ، وذراري، كما أنَّ الجزية لا تؤخذ من المسكين الَّذي يُتَصَدَّق عليه، ولا من مقعدٍ، والمقعد، والزَّمِن إِذا كان لهما يسارٌ؛ أخذت منهما، وكذلك الأعمى وكذلك المترهِّبون الَّذين في الدِّيارات إِذا كان لهم يسارٌ؛ أخذ منهم، وإِن كانوا مساكين يتصدَّق عليهم أهل اليسار؛ لم يؤخذ منهم، وتسقط الجزية بالموت، فإِذا مات مَنْ تجب عليه الجزية؛ سقطت الجزية؛ لأن الجزية واجبةٌ على الرُّؤوس، فإِذا فاتت الرُّؤوس بالموت سقطت، وبالإِسلام، فإِذا أسلم من فُرضت عليه الجزية؛ سقطت عنه بإِسلامه، فقد أسلم رجلان من أهل أُلَّيس، فرفع عنهما جزيتهما، وأسلم الرَّقيل دِهْقَان النَّهرين، ففرض له عمر في ألفين، ووضع عن رأسه الجزية.
ومن الجدير بالذِّكر: أنَّ الجزية تسقط عن العام الَّذي أسلم فيه الذمِّيُّ، سواء كان إِسلامه في أوَّله، أو في وسطه، أو في اخره. قال عمر: إِنْ أخذ الجزية الجابي بكفِّه، ثُمَّ أسلم صاحبها؛ ردَّها عليه.
وتسقط بالافتقار، فإِذا افتقر الذِّميُّ بعد غنىً، وأصبح غير قادرٍ على دفع الجزية سقطت عنه الجزية، وقد أسقطها عمر عن الشَّيخ الكبير الضَّرير البصر عندما راه يسأل النَّاس، وفرض له ما يعوله من بيت المال.
وتسقط عند عجز الدَّولة عن حماية الذِّمِّيين؛ لأنَّ الجزية ما هي إِلا ضريبة على الأشخاص القاطنين في أقاليم الدَّولة الإِسلاميَّة، وتدفع هذه الضَّريبة في مقابل انتفاعهم بالخدمات العامَّة للدَّولة، علاوةً على أنَّها نظير حمايتهم، والمحافظة عليهم، وبدلُ عدم قيامهم بواجب الدِّفاع عن الدَّولة، ومواطنيها.
ومن الأدلَّة على أنَّ الجزية في مقابل الحماية ما قام به أبو عبيدة بن الجرَّاح، حينما حشد الرُّوم جموعهم على حدود البلاد الإِسلاميَّة الشَّمالية، فكتب أبو عبيدة إِلى كلِّ والٍ ممَّن خلفه في المدن الَّتي صالح أهلها يأمرهم أن يردُّوا عليهم ما جبي منهم من الجزية، والخراج، وكتب إِليهم أن يقولوا لهم: إِنَّما رددنا عليكم أموالكم لأنَّه قد بلغنا ما جُمِع لنا من الجموع وأنَّكم اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإِنَّا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن على الشَّرط، وما كتبنا بيننا وبينكم؛ إِن نصرنا الله عليهم. فلمَّا قالوا ذلك لهم وردُّوا عليهم أموالهم الَّتي جبيت منهم، قالوا: ردَّكم الله علينا، ونصركم عليهم (أي: الرُّوم)، فلو كانوا هم؛ ما ردُّوا علينا شيئاً، وأخذوا كلَّ شيءٍ بقي لنا حتَّى لا يدعوا لنا شيئاً.
كما تسقط إِذا قاموا هم بعبء الدِّفاع بتكليف من الدَّولة، كما حدث في العهد الَّذي وقَّعه سراقة بن عمرو مع أهل طبرستان بعد أن وافقه عمر على ذلك.
وأمَّا قيمتها فقد كانت غير محدَّدة واختلفت من إِقليمٍ لأخر بحسب قدرة النَّاس، وظروف الإِقليم، فقد وضع على أهل السَّواد ثمانين، وأربعين درهماً، وأربعة وعشرين درهماً، بحسب حال كلِّ واحدٍ من اليسار، يؤخذ ذلك منهم كلَّ سنةٍ، وإِن جاؤوا بِعَرَضٍ قبل منهم مثل الدَّواب، والمتاع، وغير ذلك، ويؤخذ منهم بالقيمة، وجعل على أهل الشام أربعة دنانير، وأرزاق المسلمين من الحنطة مُدَّيْن، وثلاثة أقساط من زيت لكلِّ فردٍ، وعلى أهل الفضَّة أربعين درهماً وخمسةَ عشر صاعاً لكلِّ إِنسان، وعلى أهل مصر دينارين لكلِّ حالمٍ إِلا أن يكون فقيراً، وأمَّا أهل اليمن فقد خضعت للإِسلام في عهد النُّبوة، وفرضت الجزية على كلِّ رجل دينارٌ، أو عدله معافر، وتشير رواياتٌ ضعيفةٌ إِلى بقاء هذه الجزية على أهل اليمن دون تغيُّر في خلافة عمر، ورغم ضعفها فإِنَّها تتَّفق مع سياسة عمر في مراعاة أحوال الرَّعيَّة، وعدم تغيير الإِجراءات النَّبويَّة.
فالجزية كانت تختلف بحسب يسار النَّاس، وبحسب غنى الإِقليم كذلك، وكانت تخضع للاجتهاد بما يكون من طاقة أهل الذِّمَّة بلا حملٍ عليهم، ولا إضرار.
وكان عمر يأمر جباه الجزية بأن يرفقوا بالنَّاس في جبايتها، وعندما أُتيَ عمر بمالٍ كثير، فقال: إِنِّي لأظنُّكم قد أهلكتم النَّاس، قالوا: لا والله ! ما أخذنا إِلا عفواً صفواً. قال: بلا سوطٍ، ولا نوط ؟ قالوا: نعم. قال: الحمد لله الَّذي لم يجعل ذلك على يدي، ولا في سلطاني.
ومن أشهر الموظفين في هذه المؤسَّسة: عثمان بن حنيف، وسعيد بن حذيم، وولاة الأمصار كعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وغيرهم.
وقد نُظِّمت الجزية بمجموعةٍ من الأحكام والقوانين استمدَّها الفقهاء، والمشرِّعون من نصوص القران، والسُّنَّة، وعمل الخلفاء الرَّاشدين، ودلَّت تلك الأحكام على أنَّ مؤسسة الجزية من مصادر الدَّولة الإِسلاميَّة، كما أنَّ لها صفةً سياسيَّةً، فَدَفْعُ أهل الذِّمَّة للدولة دليلٌ على إِخلاصهم لها، وخضوعهم لأحكامها، وقوانينها، والوفاء بما عاهدوا عليه، ويذهب الأستاذ حسن الممِّي بأنَّ مؤسَّسة الجزية لها صبغةٌ سياسيَّةٌ أكثر منها صبغةً ماليَّةً. والحقيقة: أنَّ هذه المؤسَّسة جمعت بين الصِّبغتين، وهي من مصادر الثَّروة في الدَّولة الإِسلاميَّة.

ـ أَخْذُ عمر الصَّدقة مضاعفةً من نصارى تغلب:
كان بعض عرب الجزيرة من النَّصارى قد رفضوا دفع الجزية؛ لكونهم يرونها مَنْقَصَةً، ومذمَّةً، فبعث الوليد برؤساء النَّصارى، وعلمائهم إِلى أمير المؤمنين، فقال لهم: أدُّوا الجزية ! فقالوا لعمر: أبلغنا مأمننا، والله لئن وضعت علينا الجزاء لندخل أرضاً، والله لتفضحنا من بين العرب ! فقال لهم: أنتم فضحتم أنفسكم، وخالفتم أمَّتكم فيمن خالفَ، وافتضحَ من عرب الضَّاحية، والله لتؤدنَّه وأنتم صغرةٌ قمأةٌ (يعني: حقيرين) ولئن هربتم إِلى الرُّوم لأكتبنَّ فيكم، ثمَّ لأسبينَّكم ! قالوا: فخذ منا شيئاً، ولا تسمِّه جزاء، فقال: أما نحن فنسمِّيه جزاءً، وسمُّوه أنتم ما شئتم. فقال له عليُّ بن أبي طالبٍ: يا أمير المؤمنين ! ألم يضعف عليهم سعد بن مالكٍ الصَّدقة ؟ قال: بلى ! وأصغى إِليه، فرضي به منهم جزاءً، فرجعوا على ذلك.
ومن هذا الخبر نأخذ درساً في معاملة المتكبِّرين من الأعداء، الَّذين يخاطبون المسلمين بعزَّةٍ، وأنفةٍ، ويهدِّدون باللجوء إِلى دول الكفر، فنجد أمير المؤمنين خاطبهم بعنفٍ، وحقَّرهم، وهددَّهم إِذا لجؤوا إِلى الكفار بالسَّعي في إِحضارهم، ومعاملتهم كمعاملة الحربيِّين من سبي ذراريهم، ونسائهم، وهذا أشدُّ عليهم كثيراً من دفع الجزية. فهذا الجواب القويُّ أزال ما في رؤوسهم من الكبرياء، والتَّعاظم، فرجعوا متواضعين يطلبون من أمير المؤمنين أن يوافق على أخذ ما يريد من غير أن يسمِّي ذلك جزيةً، وهنا تدخَّل عليٌّ رضي الله عنه، وكان لرأيه مكانةٌ عند عمر لفقهه في الدِّين، فأشار عليه بأن يضعِّف الصَّدقة كما فعل سعد بن أبي وقَّاص بأمثالهم، فقبل ذلك أمير المؤمنين تألفاً لهم، ومنعاً من محاولة اللُّجوءِ إِلى دول الكفر. وقد أصبح هذا الرَّأي مقبولاً حينما وقع موقعه، وذلك بعد ما أزال أمير المؤمنين ما في نفوسهم من العزَّة، والكبرياء، فأمَّا لو قَبِل ذلك منهم في بداية العرض، فإِنَّهم سيعودون بكبريائهم، ولا يؤمَنُ منهم بعد ذلك أن ينقُضوا العهد، ويسيئوا إِلى المسلمين.
وقد جاء في رواية عن قصَّة بني تغلب، بأنَّهم دعوا إِلى الإِسلام فأبوا، ثمَّ إِلى الجزية فلم يطمئنُّوا إِليها، وولَّوا هاربين يريدون اللَّحاق بأرض الرُّوم، فقال النُّعمان ابن زرعة لعمر: يا أمير المؤمنين ! إِنَّ بني تغلب قومٌ عرب، يأنفون من الجزية، وليست لهم أموالٌ، إِنَّما هم أصحاب حروثٍ، ومواشي، ولهم نكايةٌ في العدوِّ، فلا تُعِنْ عدوَّك بهم ! قال: فصالحهم عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ على أن ضاعف عليهم الصَّدقة.. وقال: هي جزيةٌ، وسمُّوها ما شئتم، فقال بنو تغلب: أمَّا إِذا لم تكن جزيةً كجزية الأعلج؛ فإِنا نرضى، ونحفظ ديننا.
والسِّرُّ في قبول الخليفة عمر ـ رضي الله عنه ـ الصَّدقة من بني تغلب، وهل تعدُّ صدقةً، أم جزيةً ؟ يرجع إِلى أنَّ الاختلاف في التَّسمية أمرٌ قد تسوهل فيه، ورضي الخليفة به ما دام في ذلك المصلحة العامَّة، والَّذي دفعه إِلى ذلك خشية انضمام بني تغلبٍ إِلى الرُّوم، وما كان يرجوه من إِسلامهم ليكونوا عوناً للمسلمين على أعدائهم، ولأنَّ هؤلاء قومٌ من العرب لهم من العزَّة، والأنفة ما يبرِّر حفظ كرامتهم، وأنَّ ما يرد إِلى بيت المال من أموالهم خيرٌ للمسلمين، وأجدى على خزانة الدَّولة من هربهم، وانضمامهم إِلى صفوف الرُّوم، أمَّا من ناحية: هل هي صدقة، أم جزية ؟ فهي جزيةٌ؛ لأنَّها تصرف في مصارف الخراج، ولأن الصَّدقة لا تجب على غير المسلمين، ولأنَّ الجزية في نظير الحماية وكان بنو تغلب في حماية المسلمين، وفي الوقت نفسه يمكننا أن نقول: إِنَّها ليست بجزية عمليَّاً؛ لأن ما فرض على نصارى بني تغلب كان على الأموال الَّتي تفرض عليها الزَّكاة، فكلُّ شيء على المسلمين فيه زكاةٌ، كالزُّروع، والثِّمار، والماشية، والنَّقدين.. فهو عليهم مضاعفٌ يؤخذ من النِّساء كما يؤخذ من الرِّجال، ولم يكن على الأشخاص، وهذا ينافي معنى الجزية عرفاً، والمهمُّ في كلتا الحالتين باعتبارها صدقةً، أو جزيةً، فهي ضريبةٌ بيَّنت مدى خضوعهم لسلطة الإِسلام.
هذا وقد كانت هنالك حقوقٌ، والتزاماتٌ كثيرةٌ للعرب على البلاد المفتوحة عدا الجزية، وقد تنوَّعت هذه الحقوق، وتطوَّرت أيَّام الخليفة عمر ـ رضي الله عنه ـ فمن ذلك ضيافة الحاكم إِذا وفد، والرُّسل، والسُّفراء، ومن نزل من المسلمين بأهل البلاد، وقد حُدِّدت مدَّة الضِّيافة في خلافة عمر ـ رضي الله عنه ـ بثلاثة أيام، ممَّا يأكلون، ولا يكلَّفون بذبح شاةٍ، ولا دجاجةٍ، ولا ممَّا لا طاقة لهم به، وقد مرَّ معنا عند حديثنا عن التَّطوير العمرانيِّ في عهد عمر: أنَّ بعض الاتفاقيَّات في عهد الخليفة عمر ـ رضي الله عنه ـ اشتملت على إِصلاح الطُّرق، وإِنشاء الجسور، وبناء القناطر، وقد تطوَّر نظام الجزية في عهد عمر ـ رضي الله عنه ـ فأحصى السُّكان، وميَّز بين الغني، والفقير، ومتوسط الحال، واستحدث كثيراً من الشُّروط، والالتزامات في نصوص المعاهدات ممَّا لم يعرف من قبل، وذلك لاتِّساع العمران، وبسط السُّلطان على مصر، والشَّام، والعراق، ومخالطة المسلمين لأهل البلاد، واتِّصالهم الدَّائم بحضارتها، ممَّا مكَّنهم من سياسة الدَّولة وشؤون العمران، وما تتطلَّبه طبيعة التَّدرُّج والنُّموِّ، فأوجدوا ما لم يكن موجوداً من إِصلاح الطُّرق، والعمران، وبناء القناطر، والجسور الَّتي هي عون الأمم المتحضِّرة، ومن هنا انتظمت الأمور، واتَّسعت البلاد، ورسخت قواعد النُّظم الماليَّة، وغيرها.
ـ شروط عقد الجزية، ووقت أدائها:
وقد استنبط الفقهاء من خلال عصر الخلفاء الرَّاشدين مجموعةً من الشروط:
_خ ألا يذكروا كتاب الله تعالى بطعنٍ فيه، ولا تحريف له.
_خ ألا يذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتكذيبٍ، ولا ازدراء.
_خ ألا يذكروا دين الإِسلام بذمٍّ له، ولا قدحٍ فيه.
_خ ألا يصيبوا مسلمة بزنى ولا باسم نكاحٍ.
_خ ألا يفتنوا مسلماً عن دينه، ولا يتعرَّضوا لماله، ولا دينه.
_خ ألا يعينوا أهل الحرب، ولا يودوا أغنياءهم.
وأمَّا وقت أدائها فقد حدَّد الخليفة عمر ـ رضي الله عنه ـ وقت أداء الجزية في اخر الحول ومرادنا به اخر العام الزِّراعي، ويرجع هذا التَّغيير في وقت أداء الجزية في عهد الخليفة عمر ـ رضي الله عنه ـ إِلى حالة الاستقرار، والاستقرار يدعو إِلى التَّنظيم، وتعيين الأوقات المناسبة للدَّولة، والمكلفين بدفع الجزية، كما أنَّ تحصيلها وقت إِتيان الغلات ـ وهو ما يعبر عنه المؤرخون باخر العام ـ فيه دفعٌ للمشقَّة، وتسهيلٌ على المكلَّفين، وراحةٌ للدّافعين.
للاطلاع على النسخة الأصلية للكتاب راجع الموقع الرسمي للدكتور علي محمد الصلابي، وهذا الرابط:
http://alsallabi.com/s2/_lib/file/doc/Book172(1).pdf

Print Friendly, PDF & Email

عن admin

باحث في الحوار الديني والحضاري كاتب صحفي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*