الأخبار العاجلة
الرئيسية / افتتاحية /

قانون….الدكتور سعيد عبد الرحمان بنخضرة: جريمة نقل عدوى “كورونا” (2/2)

قانون….الدكتور سعيد عبد الرحمان بنخضرة: جريمة نقل عدوى “كورونا” (2/2)

 د. سعيد عبد الرحمان بنخضرة

  أستاذ العلوم الجنائية بجامعة القاضي عياض مراكش

ساعة إحراق المدونات الجنائية لم تقترب فهي صمام أمان لحماية الحقوق والحريات (2/2)

 

العناصر التكوينية لقيام جريمة القتل الخطأ، تتطلب:
– فعل مادي هو القتل.
– أن يرتكب الفعل خطأ.
– أن توجد علاقة سببية بين هذا الخطأ وبين القتل.
وبرجوعنا إلى الفصل المذكور، نجده عدد جميع أنواع الخطأ الممكنة، ويمكن أن تجتمع هذه الأخطاء مع بعضها أو حتى أن تدمج في بعضها، وليس ضروريا أن يكون الخطأ الذي يدخل في تكوين القتل الخطأ إراديا أو حتى مرتكبا عن وعي، فحتى لو لم يكن الفاعل قد توقع نتائج خطئه، فان مسؤوليته تكون قائمة بسبب عدم تقديره وتوقعه لعواقب فعله.
وبالنسبة إلى فعل نقل عدوى فيروس كورونا، فان شروط الفصل 432 من (ق.ج) لا يمكن تطبيق صور الخطأ فيها، إلا بالنسبة إلى عدم مراعاة النظم والقوانين دون تحقق الشروط الأخرى، ذلك أن المصاب قد لا ينتبه ولا يعي حقيقة أنه مصاب بهذا الداء، الأمر الذي يجعل فعل نقل فيروس “كورونا” يوافق نسبيا جريمة القتل الخطأ في حال حصوله، وكذلك جريمة الإيذاء العمدي، وذلك عند تحقق عنصر العلم والإرادة ومخالفة النظم والقوانين.
الفرضية الثالثة:
اعتبار جريمة نقل عدوى فيروس “كورونا” من جرائم التسميم، كما هي منصوص عليها وعلى عقوبتها في الفصل 398 من القانون الجنائي المغربي، الذي جاء فيه ما يلي: ” من اعتدى على حياة شخص بواسطة مواد من شأنها أن تسبب الموت عاجلا أم آجلا أيا كانت الطريقة التي استعملت أو أعطيت بها تلك المواد وأيا كانت النتيجة، يعد مرتكبا لجريمة التسميم…”، والعناصر التكوينية لهذه الجريمة تتمثل في :
– الاعتداء على حياة شخص.
– الظرف المتمثل في أن هذا الاعتداء ارتكب بواسطة مادة من شأنها أن تسبب الموت.
– النية الإجرامية.
ومعلوم أن جريمة التسميم هي من الجرائم الدنيئة، التي تشدد التشريعات القديمة والحديثة على حد سواء في العقاب عنها، ذلك أن الوسائل المستعملة فيها تنطوي على خيانة وغدر، كما أن هذه الوسائل المستعملة فيها تجعل من الصعب الاهتداء إلى حقيقتها.
والتسميم يختلف عن القتل، في أنه ليس ضروريا أن يتحقق موت الضحية، وهو ما يوافق فعل نقل عدوى فيروس “كورونا”، إذ تكتمل جريمة الاعتداء بواسطة التسميم بمجرد وجود محاولة للقتل بالتسميم معاقب عليها، الأمر الذي يطرح للبحث مسألة المحاولة في جريمة نقل عدوى فيروس كورونا؟
فعبارة “مواد من شأنها أن تسبب الموت”، لم يحدد المشرع المغربي المقصود بالمادة المعطاة للضحية، وكذلك طريقة إعطائها، هل بالوخز أم بالاتصال أم بالعطس والرذاذ …الخ، وإنما اكتفى بوصفها أن تسبب الموت عاجلا أم آجلا.
وقد تصدى كثير من الفقه لتعريف المادة، بأنها كل مادة أيا كان شكلها أو مصدرها، أي سواء كانت صلبة أو سائلة أو غازية، أو كانت نباتية أو حيوانية أو معدنية، متى التصقت بالإنسان وامتصها جسم الإنسان، فأثرت في أنسجته تأثيرا من شانه إحداث الضرر.
وقد ثار خلاف فقهي حول ما إذا كان يلزم لكي توصف المادة بأنها سامة أن تكون كذلك بطبيعتها، أم انه يكفي لاعتبارها مادة سامة أن تكون كذلك في الظروف التي أعطيت ونقلت فيها.
فاتجه البعض إلى أن المادة المستعملة يجب أن تكون سامة بطبيعتها، أي أن يكون من شأنها إحداث الوفاة عن طريق التأثير الكيماوي على أجهزة الجسم الداخلية، وعلى الخلايا تأثيرا من شأنه إحداث الوفاة، ويتمسك هذا الاتجاه بالنص الحرفي للظهير الشريف المؤرخ في 12 ربيع الثاني 1431 موافق 2 دجنبر 1922 المكون للنظام المتعلق باستيراد المواد السامة والاتجار فيها وحيازتها واستعمالها.
بينما يرى البعض الآخر، أن العبرة في وصف المادة سامة أم لا، لا يتعلق بطبيعتها في ذاتها، وإنما بالتأثير الذي تحدثه في أنسجة الجسم، وهو ما توسع فيه البعض باعتبار المواد سامة كل مادة سواء كانت معدنية أو حيوية أو عضوية، تؤدي إلى خلل جوفي أو موضعي في جهاز من أجهزة الجسم الحيوية، كاستعمال الفيروسات والجراثيم وبأي طريقة أعطيت، كما يستوي أن تعطى عن طريق الفم أو الشم بواسطة الأنف أو اللمس.
ومهما كانت وجاهة رأي على آخر، أو فرضية على أخرى، فإنه حان الوقت لتدخل التشريع الجنائي، وتوصيف هذا الفعل وغيره من السلوكات في دائرة الأفعال المجرمة، فلا يعقل أن يعاقب الأطباء عن جريمة عدم التبليغ أو عدم التصريح ببعض الأمراض طبقا للفصلين 1 و6 من قرار وزير الصحة العمومية رقم 683.95 الصادر في 30 من شوال 1415 (31 مارس 1995) بتحديد كيفية تطبيق المرسوم الملكي رقم 554.65 الصادر في 17 من ربيع الأول 1387 (26 يونيو 1967)، إذ نص الفصل الأول منه على أن حالات الأمراض الجاري عليها الحجر الصحي، والأمراض ذات الصبغة الاجتماعية والأمراض المعدية أو الوبائية الموضوعة قائمتها بقرار لوزير الصحة العمومية، يجب التصريح بها على الفور من أصحاب المهن الطبية، وكذلك أصحاب المهن الشبه طبية المأذون لهم قانونا في مزاولة ذلك، فيما عاقبت المادة السادسة منه على مخالفة ضوابط هذا التصريح الإجباري.
وفي المقابل ينعم حامل العدوى أو الفيروس بكامل الحرية، ويتصرف فيها بالشكل الذي يؤذي الغير بسوء نية وعن قصد وإصرار، فهناك من يتصيد الفرصة أو يستغل الحاجة ليمارس طقوسه الوبائية على ضحاياه في ظل عدم وجود نص قانوني يجرم أفعاله تلك، فمن ناقل لفيروس السيدا عن قصد، وناقل لفيروس كورونا عن قصد، وما إلى ذلك من الحالات والأفعال الشاذة.
وعليه يمكن القول إن هذه التساؤلات وتلك المعطيات تبقى مجرد آراء ذات وجهة نظرية الغاية منها طرح الموضوع لنقاش فقهي وقانوني وقضائي، على أمل أن يتدخل المشرع لحل هده المعادلة الصعبة والإحاطة بإحداثياتها الوطنية والدولية، وإن كان تدخل المشرع الجنائي هذا لن يحد من الظاهرة، ولكن على الأقل قد يخفف منها، إلى جانب تدابير الوقاية والعلاج التي يتعين توفيرها لمثل هذه الحالات.

Print Friendly, PDF & Email

عن admin

باحث في الحوار الديني والحضاري كاتب صحفي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*