الأخبار العاجلة
الرئيسية / ثقافة وابداعات / ثورة كتــــاب لا ســــلاح

ثورة كتــــاب لا ســــلاح

ذ.عادل بنوي

         إن المتتبع لمسار ما سمي  بالربيع العربي الذي انطلقت شرارته بثورة الكرامة من بلاد قرطاج  ، واتسعت رقعته إلى بلاد الشام واليمن ، سيلحظ مدى ضخامة وقوة الشعارات التي رفعها أصحابها في وجه التحكم والاستبداد الذي انتشر في اجسام البلدان التي طالها العصيان المدني، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هل هذه المجتمعات استعدت لهذه الثورة فكرا وتنظيما ؟ أم أنها كانت مجرد سحابة عابرة ليس إلا ؟

          وفي هذا الاتجاه شهدت  العديد من الأمصار العربية  وعلى  مدى  سنوات  الربيع  العربي ثورات تحمل شعارات تنادي بالإصلاح وبالتنمية المستدامة ورفع القهر واللامبالاة التي تطال شعوبها ، وبهذه الشعارات والثورات والاحتجاجات    ظنت هذه  المجتمعات أنها ستسير على درب التحرر من ربق الاستعمار الجديد.

          إن الناظر إلى ما آلت اليه نتائج هذه الثورات سيستشف أنها بنيت على باطل ، وما بني على باطل فهو باطل كما يقول الأصوليون ، لأننا لم ننتصر بعد على انفسنا ولم نعودها ان تثور على ذاتها قبل أن تثور عن الأخرين ، فقد علمنا الإسلام أن نبدأ بأنفسنا ثم بمن نعول ، والثورة على الذات وعلى القيم الفاسدة ، وعلى الاستبداد  يقتضي أن نؤطر أنفسنا بالعلم والقراءة والمعرفة والنقد الذاتي والعقل المنفتح كما قال المرحوم محمد عابد الجابري “إن بنية العقل المتأزم لا يمكن أن تنتج إلا ثقافة متأزمة ، وأن بنية العقل الفاسدة لا يمكن أن تنتج إلا ثقافة فاسدة ” وإذا عدنا قليلا إلى الوراء وأمعنا النظر في الثورات التي شهدتها أوروبا في القرن الثامن عشر نجدها قامت كثورة فكرية ضد التراث والتقاليد باسم العقل الذي اخضع كل شيء للفحص والنقد بما في ذلك السلطة السياسية التي تحكم باسم المقدسات ، حيث اسست لقطيعة ابستيمولوجية  مع الماضي الاوروبي .

         هذا هو المنحى الذي كان من المفروض أن تسلكه الثورات العربية بدل الهرج والمرج وغياب الفاعلية والاستمرارية لدى العقلية العربية، ولهذا فقد فشلت معظم هذه الثورات لأنها وضعت منذ البداية نصب عينيها  الإطاحة  بهذه الأنظمة للتحرر  منها ليس إلا، متناسية تحرير  العقل  والفكر من  براثن  الجهل والانحطاط والتخلف  الثقافي  والأخلاقي الذي  تعاني منه  هذه المجتمعات  ، وأن  الحرية  بين  يدي  جاهل تتحول  من  نعمة  إلى  نقمة ومن  استقرار  إلى  فوضى.

         إن المجتمع الذي لا يقرأ  لا  تقوم  له  قائمة ولا  يعرف  الحرية  ، وإن  أشد  مستبد  ومستعبد  للمجتمع  وللفرد  هو  الجهل ،   فالله  خلق  الإنسان حرا  قائده  العقل  وأبى إلا  أن  يكون  عبدا  قائده  الجهل.

         إن  استبداد  الجهل  واقع  مؤلم  وحقيقة مرة  تحز  في  النفس  حيث  تظهر  الدراسات  أن  المجتمع  العربي  يقرأ  بمعدل  ربع  صفحة للفرد  سنويا  ,وهذا  يعطي  مؤشرا عن  حجم  تدهور  الواقع  الثقافي  الذي  تواجهه  الدول  العربية ,خاصة  عند  مقارنة  هذه  الإحصائيات  والمؤشرات  بمثيلاتها  في  الدول  الغربية .

         إن  المجتمع  الذي  بحث  عن  الحرية  وعن  تكسير  قيود  الاستبداد  والاستعباد يجب  أن يثور  على  فكره  أولا  بالقراءة  ، بالتعلم  ,بالثقافة  ،  فالمجتمع  يمكن  أن  يقوم  بدون  كتابة  لكنه لا يستطيع  أن  يقوم  بدون  قراءة  فمن  يريد  الحرية  يجب  أن  يمسك  بين  يديه  كتابا  يقلب  صفحاته  فالكتاب  كما  يقال  يجعلك  سيدا  للزمان والمكان ، فقتل  بعضنا  البعض  وخلق الفوضى  والانقسامات   داخل  المجتمع  الواحد  ليست  حرية  ، الحرية الحقيقية  والثورة  التي  يجب  القيام  بها  هي  ثورة  الفكر  والثقافة على  الجهل  والتخلف .

         “لنقرأ” شعار  يجب  أن  تحمله  كل  ثورة تنادي  بالحرية  وأن  تجعل  القراءة  وظيفة  حياتية  للمجتمع يقول  مانغويل  في كتابه  تاريخ  القراءة” جميعنا  يقرأ نفسه  والعالم  المحيط  به  من  أجل أن  ندرك  من  نحن  وأين  نحن  موجودون  ، إننا  نقرأ كي  نفهم  أو  من  أجل  التوصل  إلى  الفهم  ، إننا  لا  نستطيع  فعل  أمر  مغاير  ، القراءة  مثل  التنفس  إنها  وظيفة  حياتية  أساسية”.

لنقرأ  يا  أمة  اقرأ  ولنجعلها  ثورة  كتاب  لا  ثورة  سلاح .

Print Friendly, PDF & Email

عن admin

باحث في الحوار الديني والحضاري كاتب صحفي

6 تعليقات

  1. تبارك الله على خويا عادل اللهم بارك يا اخي

  2. تبارك الله على خويا عادل راك حاضر اخويا الله يسهل عليك معندي منقول راك ف المستوى خويا

  3. مقال رائع يا اخي. صراحة لقد بعدنا عن القراءة و الثقافة و اتجهنا نحو العصر الحديث ونسينا هويتنا.
    سر على هذا المنوال وفقك الله

  4. اتفق معك في كل ما قلت أمة اقرأ أصبحت أمة اتبع و انقل

  5. تبارك الله عليك استاد قلت مايحتاجه مجتمعنا

  6. تبارك الله عليك اخويا، اللهم بارك وزد في ذلك، تكلمت فأصبت، فالقراءة ستكون هي الرصاصة التي ستخترق جسد الجهل، لكي نكون مجتع مثقف عقليا وليس جسديا نحب المظاهر، فنحن أصبحنا نتقن الإتباع ولا نتقن الإبداع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*